كثيراً ما نسمع كلمة "مراهق" يطلقها البعض على من يتصرفون تصرفات لا تليق بأعمارهم، ولا تتناسب مع وضعهم الاجتماعي. لكن هل يمكن فعلاً أن نطلق لقب "المراهق" على شخص قد تجاوز الأربعين من عمره؟! ولماذا؟ وكيف؟
قبل الإجابة، يجب أن نفهم معنى هذا المصطلح، ونفسر أولاً كلمة "المراهقة": هل هنالك مراهقة مبكرة ومراهقة متأخرة؟ وما أسبابها؟ وأي الجنسين (الرجل أم المرأة) يمر بها أكثر؟ وهل هي حالة صحية أم شاذة؟ وإن كانت حالة شاذة فهل لها حلول؟ تابعوا معي هذا المقال.
المراهقة اصطلاحاً هي فترة زمنية يعيشها الفتى أو الفتاة ما بين عمر الطفولة ومرحلة الشباب، وفيها يبدأ التحول الجسدي لكلا الجنسين؛ كخشونة الصوت وظهور الشعر للشاب، وبروز الملامح الأنثوية والبلوغ الجسدي للفتاة. كما يبدأ عقلهم بأولى خطوات النضوج، ويصبح المراهق صعب المراس وعنيداً؛ لأنه يحاول أن يستقل بذاته وتفكيره وقراراته. وهي من أصعب مراحل النمو التي تحتاج إلى تفهم وتعاون كلا الأبوين، حيث تظهر فيها ملامح التطور الاجتماعي، والتركيز على العلاقات الشخصية، وتحديد الخيارات، وتأسيس هوية خاصة بعيداً عن ظل الوالدين.
أما ما يقصد بـ "المراهقة المتأخرة"، فتسمى أيضاً "أزمة منتصف العمر"، وهي غالباً ما تبدأ بعد سن الأربعين ولغاية الخمسين، أما لدينا نحن في العراق فإنها قد تمتد لسن السبعين عاماً! (وصدقوني أنا لا أمزح).
يشخص علماء النفس هذه الحالة بأنها شعور بالمقاومة لتقدم الزمن، ورفضٌ حتى لفكرة الموت الحتمية لدى البعض. وهي تعتبر مرحلة "تقييم الإنجازات"، حيث يبدأ فيها الشخص بعمل تغيير جذري في مظهره، وملابسه، وعلاقاته، وكأنه يقطع صلاته القديمة ليبدأ بعقد روابط وعلاقات جديدة، وقد تصل الحالة إلى زيادة الرغبة الجنسية لديه والتصرف بعشوائية مغايرة تماماً لما كان عليه سابقاً.
كما يتسم "المراهق المتأخر" بتقلب المزاج، والشعور بالغبن وعدم الأهمية. ويعزو الأطباء النفسيون هذا التقلب المزاجي إلى ضغوط الحياة، والتغيرات الهرمونية لدى الطرفين، وضغط المسؤوليات العائلية والعمل، والتقدم في السن؛ حيث يريد الرجل بالذات هنا أن يثبت أنه لا يزال شاباً ومرغوباً.
إن هذه المرحلة -أو الأزمة النفسية- من الممكن أن يتخطاها أي شخص بمساعدة العائلة والطب النفسي المختص، إذ لا عيب أبداً من استشارة مختص لتجاوز هذه المرحلة.
فترة الأربعين من العمر قد يراها الرجل نذيراً بنهاية عطائه، أما المرأة فتعني لها الاقتراب من سن اليأس وبوادر الشيخوخة. وبالطبع هذا الحال لا يرضي أياً منهما. والمشكلة أن المجتمع يرى هذا العمر للرجل بداية النضوج والفخر، أما للمرأة فهو "النهاية المبكرة"، وكأنه يجب عليها أن تستسلم لسن اليأس وتفكر في كل شيء إلا نفسها! وبالطبع هذه الفكرة مرفوضة.
يرى معظم علماء النفس أن الرجل يتعرض لمرحلة المراهقة المتأخرة أكثر من النساء، وبالطبع لا نستطيع تحديد نسبة ثابتة لأن هذا الأمر يعتمد على إحصاءات شاملة وليست انتقائية، وهي غير متوفرة لدينا بصورة دقيقة. لكن الأطباء يؤكدون تعرض الرجال لهذه المرحلة بشكل ملحوظ؛ ربما لأن معظم الرجال يتخذون قرارات في بداية حياتهم تبعاً للظروف وحجم المسؤولية، وعند وصولهم لمرحلة النضوج الفكري يبدؤون بتغيير أفكارهم وقناعاتهم، وأحياناً يتمردون على كل من حولهم ليثبتوا أنهم ما زالوا شباباً ولم يحن وقت الكهولة.
وهنا لابد أن أذكر لكم حادثتين حقيقيتين وقعتا أمامي، وروتهما لي سيدتان مقربتان جداً:
القصة الأولى: طلبت مني السيدة ألا أذكر اسمها، وقالت: "زوجي غيّر لون شعره للأسود بعد أن كان الشيب قد خط رأسه، مع العلم أنني كنت أحب تلك الخصلات البيضاء التي زينته وزادته وقاراً. أصبح يلبس ألواناً زاهية، ويسمع كاظم الساهر والأغاني الرومانسية بعد أن كان يسمع القرآن الكريم! ويردد دوماً في المنزل: (خلوني أعيش العمر اللي ما عشته.. كافي ربيتكم وكبرتكم.. خلوني اتونس شوية). وبدأ يسافر دون علمنا، ويرافق أشخاصاً لا نعرفهم أصغر منه عمراً ومكانة، وكأنه يريد أن يثبت شيئاً لكننا لا نعرف ما هو! أصبح يبذر الأموال يميناً ويساراً ويقصر على عائلته أكثر من ذي قبل، وكلما تكلمنا معه كان يرفض وينهرنا جميعاً، حتى والدته المسنة لا ترضى بأن ترى ابنها يتصرف بهذه التصرفات المشينة".
القصة الثانية: قالت صديقتي الأخرى إن زوجها انقلب رأساً على عقب، وهي لا تعلم عمّ تتحدث! هل تتكلم عن علاقاته المشبوهة؟ أم لعبه للقمار واحتسائه للكحول؟ أم الأدهى من ذلك أن علاقاته وصلت إلى أمر لا يتوقعه أحد! تخيلوا أنه أقام علاقة مع "صديقة ابنه" التي تصغره بـ 27 عاماً! ومع الأسف كانت علاقة قذرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وعندما علم أولاده أصابتهم الصدمة؛ فقد اكتشفت إحدى بناته الأمر بالصدفة عندما كانت تتصفح هاتف والدها، فعثرت على محادثة بينه وبين صديقته الطفلة -كما يحب أن يسميها "بنيتي"- وهو لم يدلل ابنته كما يدلل صديقته الصغيرة، إضافة لكلام خادش للحياء وتصرفات لا تليق بأبٍ وصل إلى أعتاب الخمسين. من هول الصدمة بقيت البنت أسبوعاً كاملاً لا تنطق بكلمة، وامتنعت عن الطعام وتدهورت صحتها، ونقلتها أمها للمستشفى مرتين دون أن تستطيع الإفصاح عما في قلبها.
هل تتوقعون أن هذه القصص فقط هي ما مرّ عليّ؟ بالطبع لا. سأحدثكم أيضاً عن قصة إحدى السيدات -حتى أكون منصفة- فبحكم عملي أصبحت بئراً لأسرار الناس، أسمع منهم قصصهم ومشاكلهم. أروي لكم العبرة ولا أستطيع البوح بالأسماء بالتأكيد، لكنني أذكرها عسى أن تنفع من يخطئ ليصحح مسار حياته.
إحدى السيدات (أرملة ولديها أولاد كبار) تدخل في علاقة وتخرج من أخرى، تتزوج بالسر وتتطلق، لتذهب من حضن رجل إلى آخر. والمشكلة أن معظم من تزوجتهم كانوا أصغر منها سناً، وهي من تغدق الأموال عليهم، والسبب أنها "تبحث عن الحب"!!! وأي حب هذا الذي يأتي بالأموال دون عواطف واحترام؟! هل من الممكن أن يحبها شخص أصغر منها بـ 15 عاماً وهو لم يقدم لها سوى كلمات معسولة دون فعل؟! نحن لا نعترض على العمر، بل نعترض على "التصابي" الذي تعيشه هذه السيدة دون مراعاة لمشاعر أولادها وسمعة أهلها. وهذه قصة أخجل أن أذكر تفاصيلها الكاملة حرصاً على سمعة الأولاد.
ختاماً: إن مرحلة المراهقة المتأخرة أو التصابي أو أزمة منتصف العمر ليست حكراً على الرجال فقط، فلنكن صريحين هي موجودة عند الذكور والإناث، لكنها تبرز بكثرة لدى الرجال؛ وربما يرجع السبب إلى القيود الاجتماعية والأعراف، أو لأسباب شخصية ثانوية.
لكن، هل تعتبر هذه الظاهرة صحية؟ وهل من الممكن علاجها؟ وكيف نتخلص منها لنعيد الشخص إلى وعيه ورشده ليكون إنساناً فاعلاً ومحترماً وقدوة حسنة لنفسه وأولاده؟
بالطبع هذه الظاهرة المقيتة والغريبة ربما هدمت عوائل وسببت قلقاً لكثيرين، لكن المعالجة لا تبدأ من عمر كبير، بل تبدأ من الجذور:
اختيار الشريك المناسب: أن أدقق في خياراتي لحظة بلحظة، ولا أترك نفسي ليمضي بي العمر وأنا نادم على قرارات لم أستطع اتخاذها؛ فالقرارات الخاطئة ستضر كل من حولك.
الاستشارة النفسية: لا عيب من استشارة مختص نفسي للعبور من هذه المرحلة بسلام.
تقبل الذات: والأهم هو أن تتقبل نفسك كما أنت بكل حالاتك. أنت جميل ومحبوب، لا تحتاج لصبغ شعر، ولا للتصابي، ولا لتصرفات طفولية كي يعجب الآخر بك. ماذا لو ظهر الشيب أو التجاعيد؟ ماذا لو ازددنا في الوزن؟ من قال إن الكبر عيب؟ بالعكس، كلما كبرنا في العمر كلما ازددنا حكمة ونضجاً.
الأجمل هو أن نتصالح مع أعمارنا، ونعيش كل يوم وكأنه بداية جديدة ونعمة يمنّ الله بها علينا، لا أن نتحسر على ما فات ونحاول إعادة عجلة الزمان إلى الوراء.
وأنتم.. ما رأيكم أحبتي؟ هل تتفقون مع ما كتبت أم لكم آراء أخرى؟ أنتظر تعليقاتكم وقصصكم برحابة صدر.